الشيخ محمد رشيد رضا

111

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

كَفَرُوا لَوْ أَنَّ لَهُمْ ما فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً وَمِثْلَهُ مَعَهُ لِيَفْتَدُوا بِهِ مِنْ عَذابِ يَوْمِ الْقِيامَةِ ما تُقُبِّلَ مِنْهُمْ ) وقرأ نافع وابن عامر تسوى بفتح التاء وتشديد السين المفتوحة على أن أصلها تتسوى فأدغمت التاء في السين لقربها منها في المخرج ، وقرأها حمزة بتخفيف السين مع الإمالة بحذف تاء تتسوى الثانية وهي لغة مشهورة وَلا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثاً عطف على يود . أي لا يكتمون شيئا من خبر كفرهم ولا سيئاتهم في ذلك الوقت الذي تقوم به الحجة عليهم بشهادة أنبيائهم الذين كانوا ينسبون إليهم ما كانوا عليه من كفر وأباطيل وبدع وتقاليد . قال بعض المفسرين ان قوله تعالى « وَلا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثاً » ليس خبرا مجردا وانما الواو فيه للحال والمعنى انهم يودون لو يموتون أو يكونون ترابا فتسوى بهم الأرض ولا يكونون كتموا اللّه تعالى وكذبوا أمامه على أنفسهم بانكار شركهم وضلالهم الذي بينه تعالى من حالهم في الآخرة بقوله ( 6 : 22 وَيَوْمَ نَحْشُرُهُمْ جَمِيعاً ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ أَشْرَكُوا أَيْنَ شُرَكاؤُكُمُ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ ( 23 ) ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ إِلَّا أَنْ قالُوا وَاللَّهِ رَبِّنا ما كُنَّا مُشْرِكِينَ ( 24 ) انْظُرْ كَيْفَ كَذَبُوا عَلى أَنْفُسِهِمْ وَضَلَّ عَنْهُمْ ما كانُوا يَفْتَرُونَ ) فهم عندما يكذبون وينكرون شركهم إما لاعتقادهم ان ما كانوا عليه ليس شركا وانما هو استشفاع وتوسل إلى اللّه بمن اختار من خلقه ، وإما مكابرة وتوهما أن ذلك ينفعهم ويدرأ عنهم العذاب ، عند ذلك يشهد عليهم الأنبياء المرسلون أنهم لم يكونوا متبعين لهم فيما أحدثوا من شركهم وانما كان شيئا ابتدعوه من عند أنفسهم بقياس ربهم على ملوكهم الظالمين وأمرائهم المستبدين الذين يتركون عقاب بعض المسيئين بشفاعة المقربين إليهم من بطانتهم ويقربون من لا يستحق التقريب بشفاعتهم أيضا فإذا شهدوا عليهم تمنوا لو كانوا سويت بهم الأرض وما افتروا ذلك الكذب . وروى الحاكم عن ابن عباس ( وصححه ) انهم إذا قالوا ذلك ختم اللّه على أفواههم فتشهد عليهم جوارحهم فيتمنون أن تسوى بهم الأرض . ومن جوز ان يكون ذلك خبرا مجردا معطوفا على « يود » قال إنهم ينكرون في بعض مواقف القيامة ويعترفون في بعضها ويصح ان يقال إنهم كذبوا وكتموا في ذلك اليوم وان يقال إنهم اعترفوا وما